البغدادي
334
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وقتل جعفر في قصاص اختلف في سببه على ثلاثة أقوال « 1 » ، ثالثها : أنه كان يزور نساء من عقيل بن كعب « 2 » ، وكانوا متجاورين ، هم وبنو الحارث . فأخذته عقيل ، وكشفوا عورته ، وكتفوه ، وضربوه بالسّياط ، ثم أقبلوا به إلى النسوة اللاتي كان يتحدث إليهنّ ، ليغيظوهنّ ، ويفضحوه عندهنّ ، فقال لهم : يا قوم لا تفعلوا ، فإنّ هذا الفعل مثلة ، وأنا أحلف لكم أن لا أزور بيوتكم أبدا . فلم يقبلوا منه ، فقال لهم : حسبكم ما مضى ، ومنّوا عليّ بالكفّ عني ، فإني أعدّه نعمة لكم ، لا أكفرها أبدا ، أو فاقتلوني ، وأريحوني فأكون رجلا آذى قومه في دارهم فقتلوه . فلم يفعلوا . وجعلوا يكشفون عورته بين أيدي النساء ، ويضربونه ويغرون به سفهاءهم حتى شفوا أنفسهم منه ، ثم خلّوا سبيله ، فلم تمض إلّا أيام قليلة حتى عاد جعفر ومعه صاحبان له ، فدفع راحلته حتى أولجها البيوت ثم مضى . فلما كان في نقرة من الرمل أناخ هو ، وصاحباه ، وكانت عقيل أقفى خلق اللّه لأثر ، فتبعوه حتى انتهوا إليه ، وليس معهم سلاح ولا عصا ، فوثب عليهم جعفر وصاحباه بالسيوف فقتلوا منهم رجلا ، وجرحوا آخر وافترقوا . فاستعدت عليهم عقيل السريّ بن عبد اللّه الهاشمي ، عامل المنصور على مكة ، فأحضرهم وحبسهم ، وأقاد من الجارح ، ودافع عن جعفر ، وكان يحبّ أن يدرأ عنه الحدّ لخؤولة السفاح في بني الحارث ، ولأنّ أخت جعفر كانت تحت السريّ ، وكانت حظيّة « 3 » عنده ، إلى أن أقاموا عنده قسامة ، أنه قتل صاحبهم ، وتوعّدوه بالخروج إلى أبي جعفر المنصور ، والتظلّم إليه ، فحينئذ دعا جعفرا وأقاد منه . فلما خرج جعفر إلى القود انقطع شسع نعله ، فوقف فأصلحه ، فقال له رجل : ما يشغلك عن هذا ما أنت فيه ؟ فقال : ( الوافر )
--> ( 1 ) خبر مقتله في الأغاني 13 / 45 ؛ وشرح الحماسة للتبريزي 1 / 28 . ( 2 ) عقيل - بهيئة التصغير - هكذا ضبط في الاشتقاق ، وقال عنه ابن دريد ص 297 : " إما تصغير عقل أو تصغير أعقل ، والعقل - بالتحريك - : دنو الركبتين ، وهو دون الصكك " . ( 3 ) في طبعة بولاق : " حظيته " . ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية والأغاني . والحظية : المرأة تحظى عند زوجها وتعلو مكانتها .